أنا مش حُرمة، أنا مواطنة مصرية

«الحريم» في دستور مصر الجديد
معركة الدستور معركة مواطنة في الأساس، واستعادة ديننا بأنفسنا، وإعادة امتلاك الشارع المصري قد يدفع سيدة مسنة أخري في يوم من الأيام ترتدي نفس الجلباب الأسود لأن تقول... :

«أنا مش حُرمة، أنا مواطنة مصرية!».  

alt

بقلم ... مروة شرف الدين

في الثامن من هذا الشهر، وأنا في طريقي للمشاركة في المسيرة النسائية التي كان مقررًا لها أن تنطلق من أمام نقابة الصحفيين، تناهت إلى مسامعي مناقشة محمومة بين شابين يسيران إلى جواري في شارع رمسيس بوسط العاصمة المصرية، كان أحدهما يتحدث إلى الآخر في نبرة أقرب إلى الصراخ: «على جثتي إني آخد فلوس من واحدة ست، ليه يعني؟ الله يلعن ده يوم لو ده حصل، الله يلعن الحريم كلهم».


 في الاتجاه المعاكس، كانت تسير امرأة مسنة ترتدي جلابية سوداء، فتوقفت ما إن سمعت اللعنات التي يطلقها الشاب، ووبخته على جحوده ووقاحته تجاه من عملن على رعايته طوال حياته، وهو ما دعى الشاب إلى أن يجيبها في حياء «مش كل الحريم زيك يا أمي»، فنظرت الأخيرة إلى عينيه مباشرة قبل أن تصيح في وجهه «أنا مش حرمة أنا دكر»، ثم مضت في طريقها.


 وباختصار، كلمة «حريم» هي جمع «حرمة»، أي سيدة، ولكنها درجت أن تشتمل على معاني التبعية والضعف والحاجة إلى الحماية والسترة، أما «دكر» فهي الذكر القوي القادر، وتنطوي على علو الشأن مقارنة بالحرمة الأقل شأنًا، هذا علاوة على ما تحتويه من معانٍ أخرى تكرس أحيانًا لدونية المرأة.


 من هذا الموقف تبرز بعض النقاط الجديرة بالاهتمام،

 أولا: أن النساء يدركن أنهن يتولين رعاية أسرهن ببذل الوقت الثمين والمال، وهو ما اتضح في حديث تلك المرأة مع الشاب. فثلث العائلات المصرية تقريبًا تعولها النساء، بينما غالبية الجزء المتبقي يستطيع بالكاد تدبر أموره من دخل الزوجين مجتمعين.

 ثانيا: أنه بالرغم من تلك الحقيقة، إلا أن ثمة إعراض نفسي واجتماعي عن الاعتراف بإسهام المرأة الفعال في قدرة الأسر والمجتمع بأسره على الاستمرار، حيث يعد الاعتماد على المرأة في الأغلب مؤشرًا على ضعف الرجل.

 ثالثا: أن المرأة قد تلجأ أحياناً إلى التأكيد على كونها «دكر» في مواجهة وصف الـ«حرمة» كي تحصل على الاعتراف بفاعليتها وقدرتها وإنسانيتها.


 ويعد تفسير ما سبق أمرًا مهما نظرًا لإقبال مصر على كتابة دستور جديد، فلو اقتصر ذلك الدستور على الاعتراف بحق المواطنة الكامل للذكور بوصفهم المواطنون الأقوى والأقدر، مع إنكار نفس الحق على النساء باعتبارهن «حريم» أقل من الرجال، فسيكون ذلك بمثابة الكارثة.

وقد كان ذلك الاحتمال الأخير هو بالفعل ما سنجده في دستور 1971 السابق، فبالرغم من أن المادة الأولى منه كانت تنص على أن مصر بلد ديمقراطي يقوم على مبدأ المواطنة، وتأكيد المادة 40 بوضوح على المساواة بين الرجال والنساء في نظر القانون من حيث الحقوق والواجبات، فإن واضع الدستور يبدو أنه لم يستقر على ما تعنيه وترتبه تلك المساواة من آثار.


 المادة 11 على سبيل المثال نصت على أن «تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع، ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية»، فهذه المادة وصفت دور المرأة في المنزل بـ«الواجبات» التي ينبغي على الدولة مساعدتها في القيام بها، كما أنها تلمح بشكل ضمني إلى أن ضمانات المساواة الواردة في النص الدستوري قد تتعارض مع الشريعة الإسلامية والقيام بالواجبات المنزلية الضرورية، وفي حالة التعارض من المتوقع إذن أن تنتفي هذه الضمانات، بالتالي، فإن هذا الدستور، عمليًا، منح المرأة حق المساواة وسلبها إياه في آن واحد، بحجة أن الشريعة الإسلامية قد تنص على ذلك.


 ولكن من الجدير بالذكر هنا، وعلي غرابته لعقولنا الحديثة، أنه لم يرد في القرآن أو في مدارس الفقه السني الأربع الرئيسية ما يلزم المرأة بمسؤوليات أو واجبات منزلية، كما أنه لا جدال في أن علماء تلك المدارس الفقهية حددوا النفقة التي يدفعها الزوج بأنها مقابل الإتاحة الجنسية التي تمنحها الزوجة، لا كمقابل لأي واجبات منزلية، بل فقد ذهبوا إلي إن المرأة غير ملزمة بطبخ مأكلها وبتدبير مشربها اللذان تعتمد عليهما للبقاء على قيد الحياة، حيث إن ذلك قد يعوق إتاحتها الجنسية للزوج، مما يلزم الأخير بتدبر توفير كل ذلك لها، إذن فالواجبات المنزلية المشار إليها في النص الدستوري- علاوة على كونها غير واردة في الفقه الإسلامي- هي بمثابة التزام قانوني جديد ومستحدث أتى لنا مع عصر الحداثة، حتى إن الشيخ محمد عبده، في كتابه تفسير المنار، بدى متأثرًا بتلك الأفكار «الحديثة»، فسار عكس منهجه التقدمي بأن لام على قدامى الفقهاء إعفاءهم المرأة من المسؤوليات المنزلية.


 لماذا إذن وصف دستور 1971 تلك الأنشطة المنزلية للمرأة بالـ«واجبات» موردًا إياها كعوائق محتملة قد تمنع المرأة من أن تكون مساوية للرجل؟ وما سبب هذه الإحالة إلى الشريعة كأساس محتمل لذلك التمييز؟ ولماذا نقحم الدين في مسائل المواطنة بغير تدقيق من الأساس؟ ينبغي علينا أن نفرق بين مسألة المواطنة وبين المعتقدات الدينية التي قد تؤثر على دور الفرد في المجتمع، فالأدوار المختلفة التي نلعبها جميعًا في حياتنا لا علاقة لها بحقوقنا كمواطنين، فالرجال هم آباء وطلاب وأطباء وأزواج ومحامون وعاطلون، ولكنهم مواطنون في نهاية المطاف، أما النساء فأمهات ومهندسات وربات بيوت وأساتذة جامعات، مريضات أو صحيحات، ولكنهن كذلك مواطنات في نهاية المطاف.

فسواء تلوت أذكارًا دينية معينة أؤمن بها أثناء خروجي من المنزل أم لا، فإن ذلك لا علاقة له بحقيقة أنني مواطنة لها الحق وفق الدستور المصري في حرية التعبير والرعاية الصحية والتعليم والسكن والتأمين الاجتماعي والالتزام بدفع الضرائب، إذا كنت أعمل، واللجوء للقضاء، من بين حقوق وواجبات أخري يتمتع بها المواطن المصري، ولكن ما أن نقحم الدين في غير مكانه في السياسة، فإننا نعيد إنتاج الخلط الموجود في دستور 1971. بالإضافة إلى ذلك، فإن الزعم بأن الشريعة الإسلامية تقيِّد بطبيعتها حقوق المواطنة بالنسبة للمرأة يعد تجاهلاً لتاريخ الإسلام كما هو موضح في الأمثلة السابقة حول موقف المدارس الفقهية من مسألة الواجبات المنزلية، وإغفالاً للتطور الطبيعي الذي تمر به السياقات التاريخية والتفسيرات القرآنية الحديثة، فقد قام علماء مسلمون كثيرون عبر أنحاء العالم بإجراء تطورات وبحوث مهمة معتمدين على القرآن والسنة وتراث الفقه الإسلامي، ونجحوا في رجوعهم لهذه المصادر الشرعية، في إنتاج القوانين والمعارف التي تقضي بتساوي المرأة والرجل كـ«مواطنين» بصرف النظر عن الاختلاف البيولوجي، وبسبب تطوير التفسير الإنساني للنصوص القرآنية بما يناسب الزمان و المكان الحاليين، محترمين بذلك النص ومقاصد الشريعة الإسلامية التي من المفترض أنها تناسب كل زمان ومكان.

ولم يتوقف الأمر على ذلك، فقد رسخت العديد من الدول الأخرى ذات الأغلبية المسلمة مثل إندونيسيا وماليزيا والمغرب، للمساواة في حقوق المواطنة في قوانينها الداخلية ودساتيرها بالرغم، أو ربما بسبب- اتباعها للشريعة الإسلامية، فلماذا يستعصي ذلك على بلد الأزهر الشريف؟ فبأي حق تفسر جماعة معينة الشريعة وتفرضها على باقي المواطنين؟ ولماذا ننتقي أجزاءً من تراثنا الفقهي الغني لنستغلها في ممارسة التمييز ونترك الجوانب الأخرى التي تدعو للمساواة والمعاملة الكريمة؟


 إن المصريين في حاجة لاستعادة دينهم بنفس الروح الثورية التي استعادوا بها بلادهم في الخامس والعشرين من يناير، فيجب ألا نترك الآخرين ليخبرونا بما يحدده الدين، خاصة إذا كان هؤلاء من الساسة، ويتوجب علينا كغيرنا من المسلمين حول العالم المشاركة في تكوين تلك المعرفة الدينية المستمرة في التطور اعتمادًا على تراثنا الفقهي المتميز. ألا يقال لنا دومًا إن علي المسلمين الشعور بالامتنان لعدم وجود واسطة بينهم وبين ربهم؟ فلماذا إذن لا نعتمد على أنفسنا ونلجأ إلى المصادر والنصوص لنحصل على المعرفة مثل المسلمين الآخرين؟ وما الذي حدث لفاعلية وقدرة المؤمن المسلم علي التدبُر والتفكُر؟ 


فمثلما قمنا بثورة ضد من ادعوا أنهم يمثلوننا سياسيًا ولكن كانوا في الحقيقة يسرقوننا، علينا أن نشن ثورة أخرى ضد من يتحدثون نيابة عن ديننا بشكل يتعارض مع الإنسانية والعدالة والكرامة الإنسانية. 


فيجب ألا نخضع ونرهب ممن يستغلون احترامنا للدين ضدنا، فسكوتنا هو في حد ذاته إهانة لإيماننا. وبنفس الروح الثورية في عام 1951، غزت درية شفيق ورفاقها البرلمان للمطالبة بإدخال حق المرأة في التصويت إلى الدستور، وفي 1954 أضربت شفيق ورفاقها عن الطعام داخل نقابة الصحفيين استكمالاً لمعركة الحرية والكرامة، وهو ما جعلها تنال توبيخ الكثيرين وقتها، فوصفت بعميلة للغرب، واتُهمت بالخروج على تعاليم الإسلام، ولكن بفضل هذا السلوك الذي وصف بالـ«مشين»، نالت المرأة المصرية الحق في التصويت وفق دستور 1956، وصار لدينا درية شفيق التي تحمل درجة الدكتوراة في حقوق المرأة في الإسلام لنشكرها ليس فقط علي حق التصويت ولكن أيضًا لإنقاذ الدين من براثن الفكر السلطوي. وفي الخامس والعشرين من يناير 2011، وما تلاها من عدة مناسبات حتى يوم الخميس الثامن من مارس 2012، خرجت النسوة وإخوانهن الرجال إلى الشارع للمطالبة بحقوقهن.

وهنا تكمن قوتنا: في قدرتنا على التظاهر وقت الحاجة، والتفاعل مع البشر على اختلافهم والتعاطي مع مطالبهم المختلفة، وتذكير السياسيين بأنهم ليسوا في السلطة وحدهم وبأنهم تحت المراقبة، حتى وإن استغلوا الدين لإخافتنا، بكل ذلك نستطيع أن نقدم أفضل إسهام لصنع بلد أفضل.


 خلاصة ما أرمى إليه هو أن جعل معركة الدستور معركة مواطنة في الأساس، واستعادة ديننا بأنفسنا، وإعادة امتلاك الشارع المصري قد يدفع سيدة مسنة أخري في يوم من الأيام ترتدي نفس الجلباب الأسود لأن تقول... :«أنا مش حُرمة، أنا مواطنة مصرية!».



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث